محمد خليل المرادي

96

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

فلمّا كان شيخ الإسلام المولى أبو الخير أحمد داماد زاده مفتيا بالدولة ، كان المترجم من المنتمين إليه . فلمّا عزل وتولّى مكانه إفتاء الدولة شيخ الإسلام المولى إسحاق ، كان المترجم بدمشق ، فارتحل عند وصول خبر صيرورته للروم . ولمّا وصل بعد أيّام قلائل أرسل له الأمر بقضاء طرابلس الشام ، وأخرجه من طريق الموالي إلى طريق الموالي الأوسط ، لكونه منتميا لداماد زاده . وكان المولى إسحاق المذكور بينه وبين داماد زاده عداوة كليّة . فرجّاه برفعه « 1 » ، ووقع عليه . فلم يمكن إلى أن وصل إلى السليمانية ، فدرّس بها في الهداية . ثم في سنة ثمان وخمسين ومائة وألف ، ولي قضاء القدس الشريف . وقدم دمشق ، وارتحل للقدس . ثم عاد وارتحل لقسطنطينية . واستقام بها إلى سنة خمس وستّين ، ففيها ولي قضاء دمشق ، وقدم إليها . وامتدح عند وروده بالقصائد الغرّ . ونقل مجلس الحكم إلى داره في قرب المارستان النوري ، كما فعل جدّه حين ولي قضاء دمشق . ثم بعد مضي مدّته سافر إلى الروم ، وتولّى قضاء مكّة رتبة . ثم صار قاضيا في دار الملك ، مع رتبة قضاء عسكر أناطولي . فشاع صيته وذاع ، إلى أن وصل خبره للسلطان الأعظم مصطفى خان ، رحمه اللّه تعالى . حتى إنّه ألبسه في حضرته فروة من السمّور ، وضبطها ضبطا لم يسبق إليه . ولم تطل مدّته بها حتى توفي . وترجمه الشيخ السمان في كتابه ، وقال في وصفه : ماجد وضعته العلياء في مفرقها إكليلا . وأطلعته بدرا في أفق مشرقها وإكليلا . فاعتام زهر المجد اعتياما . واقتعد منه سماء لم تقبل خرقا ولا التئاما . بهمة تركت الأفلاك لحشدها قبيلا . والنيّرين وسعانها لثما وتقبيلا . حتى فاز من المعالي بالقدح المعلّى . وازدان به جيد الليالي وتحلّى . إلى تيقّظ يستزلّ النهى . ويستنزل من الأفق السّهى . وشهامة تأنف أن يكون الدوار لها عبدا . وتستكبر أن يتّخذ عندها يدا وعهدا . وناهيك بمن لم يفعم أطرافه من القوى . حتى على نوابغ السؤدد احتوى . وعلى منصّة المحامد استوى . ففاق بفياقته الأول . وأسرعت لطاعته الدول . وتفيأت بابه الفتوى . وتاهت به عجبا وهوى . فاستقام له أمرها . ولم يطل عمرها . فطلب مقرّ الملك ومنتداه . والتحف برد السرى وارتداه . فحلّ منه بين ذراعي الأسد وجبهته . وبشرّت بنجح مطالبه مطالع وجهته . فحيّته بالداخل والخارج . وعرجت به في تلك المعارج . حتى تأرّج ثالث الحرمين بأحكامه . وأرتج باب الرشوة في أيّامه . ثم تولّى من الشام القضاء . ونار منهج الشريعة بوجوده وأضاء . حتى أقلع عنها غمامه

--> ( 1 ) يعني أنّ المترجم طلب إلغاء الأمر بخفض رتبته ونقله ، فلم يمتثل إسحاق المذكور .